اخرالاخبار


26 يناير الموت الذليل

السبت, 26 يناير 2013 13:39 عدد المشاهدات : 3314 الرأي - صقر الجديان - مجدى عبد العزيز
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 6
سيئجيد 




أهل التشكيل والرسم دائماً ما يحدثوننا أن الفن يُحس ولا يُشرح، خاصةً وأن تكون أمام لوحة سريالية طلسمية الألوان والخطوط ومتداخلة الأشكال والرموز، عندها عليك مغادرة محطة الاستغراب اللحظي والولوج بهدوء إلى عالم الاستغراق والتخيل والتحسس الذي حتماً سيقودك إلى آفاق التذوق وقمم المتعة، والأهم من ذلك الانطباعات التي ستتركها اللوحة في نفسك.
اللوحة الشهيرة والوحيدة التي تجسد مقتل الجنرال/ تشارلز جورج غوردون على عتبات القصر في 26 يناير 1885م هي عمل فني مكتمل بكل المقاييس والمعايير لكنه ينتمي إلى (مدرسة الكذب).. غوردون مرتدياً بذته الرسمية كاملةً ويقف بشموخ في قمة السلم وينظر إلى الثوار من علٍ وكأنه سينتهرهم بأن أوقفوا هذا العبث الذي تعبثون، هكذا صوّرت اللوحة (الفرية) لحظة مواجهة بطولية زائفة للموت، وتماسك مختلق لغوردون ساعة المصير.
الخرطوم ترزح تحت الحصار القاسي تقول يوميات (25 يناير) وهي الساعات الأخيرة قبل هجوم المهدي (مرجعية جمال الشريف): دخل البرديني بيه (مساعد للجنرال) إلى القصر ووجد غوردون يشعر بالضعف وإن موارده شارفت على الانتهاء ليس في الطعام فقط وإنما في الصحة والشجاعة والثقة وشاب رأسه نتيجة للإجهاد، وقال البرديني إن غوردون قال له صائحاً: ليس لدي أي شيء أقوله سوف لن يصدقني الناس بعد الآن، لقد أخبرتهم مراراً وتكراراً أن المساعدة ستأتي (حملة الإنقاذ) ولكنها لن تأتي أبداً، والآن لابد من رؤية أنني كذبت عليهم، اذهب واجمع ما تستطيع من الناس وحسِّن الوضع، أتركني الآن لأُدخن هذه السيجارة. وأضاف غوردون أيضاً: من الصعب إرسال كل القوات والمواطنين إلى الدفاعات لأنهم ضعفاء جداً ولا يستطيعون السير، لقد ترك معظم الجنود الجوعي حصونهم من أجل البحث عن الطعام واليأس يكسو جميع الوجوه. أمضى غوردون بقية يومه بالقصر يدخن أحياناً ويجلس في أعلى القصر أحياناً أخرى حتى غط في نومٍ عميق عند منتصف الليل نتيجة للإرهاق والتعب.
تعددت الروايات التي تحكي تفاصيل لحظة مقتل غوردون ولكنني استناداً على ما أوضحته الوقائع السابقة أميل إلى الرواية المنسوبة للدكتور جعفر ميرغني والتي تقول: إن غوردون اقتلع من غرفته وهو بملابس نومه (وجُرجِر) إلى أسفل الدرج وذبح عنده.. وأشير إلى لوحة أخرى تظهر مجموعة من الأنصار يحملون رأس غوردون في (خرقة) ويعرضونه أمام سلاطين باشا الأسير، ومن الواضح أنه لمزيد من التأكد أن من قتل هو غوردون.
حاولت الريشة التي صورت المشهد الكاذب لمقتل غوردون أن تخفي جرح الكرامة الغائر الذي أصاب الملكة فكتوريا - التي كانت الداعم الأقوى لفكرة إرسال غوردون إلى السودان - وأرادت هذه الريشة أن تخفف من آثار الصدمة والإنكسار الذي أصاب الرأي العام البريطاني بهذا الحدث المجلجل الذي كاد أن يطيح بحكومة رئيس الوزراء جلادستون التي نجت من سحب ثقة مجلس العموم ببضعة أصوات، كذلك عمدت هذه الريشة إلى تشويه تاريخنا الملئ بالبطولات والتضحيات في سبيل العزة والسيادة والاستقلال.
اليوم 26 يناير تمر مائة وثمانية عشر عاماً على تحرير الخرطوم وعلي هزيمة الامبراطورية العجوز بمقتل رمزها الدولي الباسل الجنرال غوردون على هذه الأرض،، وبعد إزالة تمثاله الشهير الذي كان منصوباً بميدان وزارة المالية الحالية، وتصفية كليته التذكارية لتأخذ اسم العاصمة المحررة (الخرطوم) لم يبق من ذكراه إلا لوحة كاذبة، وحجر تذكاري من الرخام يشير إلى موقع مقتله، وبيانو كلاسيكي يحتضنه متحف القصر الجمهوري،،
أعدت نشر هذه المادة تزامناً مع ذكرى السادس والعشرين من يناير 1885م ذكرى تحرير الخرطوم وسقوط أقوى رموز استعمار ذلك العصر الجنرال تشارلز جورج غوردون،،، وإلى الملتقى.
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته



.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine
الرأي
صورة
أحب الزول الخبيث

  يحكي أحمد مهندس المشاريع بشركة المقاولات العملاقة بالخليج أن المدير اللبناني أشار عليه مشدِّداً بضرورة الحذر من بشير قبل اجتماع وشيك...
اقرأ المزيد...
صورة
حينما تؤمن بفكرة!

  هذه الصحيفة كانت سباقة في نشر معلومات حقيقية ودقيقة حول ملف انضمام الطلاب والشباب إلى تنظيم داعش الإسلامي، ما كُتب في السوداني من قصص...
اقرأ المزيد...
صورة
إرادة الإبداع وإرادة الإلهام

  إرادة الحياة معروفة، وهي أكثر تداولاً في التعبير عن حال الأفراد (يُظهرون قدراً جديراً بالإعجاب من البسالة في مواجهة مهدِّدات الحياة)...
اقرأ المزيد...
صورة
ما لنا لا نسمع لكم رأياً؟!

  لي قناعات متمسكة ومؤمنة بها منذ الصغر، ولكنها اهتزت بعض الشيء في السنوات الأخيرة.ورغم صعوبة التوصل لإجابة قاطعة، لكني فكرت أن أكتب حول...
اقرأ المزيد...
صورة
عن ويكيليكس نتحدث!

  لي قناعة راسخة، أن الأسترالي جوليان أسانج، صاحب وثائق ويكليكس، ينشر وثائق سرية حقيقية غير مفبركة على الإطلاق..هذا الرجل المولع بأجهزة...
اقرأ المزيد...
صورة
نزعاً سلاح

  * إفادة إعلامية مهمة التي أدلى بها الدكتور مصطفى عثمان - رئيس القطاع السياسي للمؤتمر الوطني - ونشرت بصحف الأمس وهي شروع الحكومة في جمع...
اقرأ المزيد...
اعمدة الكتاب
صورة
الحقيقة المرة!!
:: ومن الحقائق المرة، والتي يجب على الحكومة وشركة الكهرباء مواجهة الناس بها بين الحين والآخر، هي ما يلي: في العام 2002، جاءت الهيئة القومية...
اقرأ المزيد...
صورة
المعاناة والإبداع...علاقة (عكسية).!
*تصيبني الكثير من الامثلة والحكم القديمة بحالة من الدهشة، خصوصاً إن جئت لتقارنها بالواقع الذي نعيش فيه.!*مثلاً هنالك حكمة تقول: (المعاناة...
اقرأ المزيد...
صورة
مشروع قرارات اقتصادية هامة ..!
مشكلة السودان حاليا اقتصادية فقط لا غير، و ما تم تقديمه من حلول للمشكلات السياسية والأمنية قد بلغ أقصى الجهد سواء كان بالحوار أو بالحرب،...
اقرأ المزيد...
صورة
(نتحصن كلنا)
:: ومن أحكام قراقوش، و يبدو أن التاريخ ظلم هذا الحاكم قبل أن يرصد أحكام الآخرين، يحكي أن رجلا قصده شاكيا جاره بتهمة ارتكاب جريمة الزنا مع...
اقرأ المزيد...
صورة
(الحواتة) ينادون... فهل من مجيب؟
(الحواتة) ينادون... فهل من مجيب؟*أكثر من (15) ألف (لبسة) هي حصيلة مجهود (الحواتة) لزرع الفرح في دواخل الكثير من المحتاجين خلال العيد...
اقرأ المزيد...
صورة
عن انفصال تكساس نتحدث . . !
بذلت مجهودا كبيرا لمعرفة حقيقة وأبعاد ونتائج الحركات "الموسمية" الداعية لانفصال ولاية تكساس الأمريكية وقيام جمهورية تكساس على أراضيها،...
اقرأ المزيد...