اخرالاخبار

26 يناير الموت الذليل

السبت, 26 يناير 2013 13:39 عدد المشاهدات : 2771 الرأي - صقر الجديان - مجدى عبد العزيز
طباعة PDF
تقييم المستخدمين: / 6
سيئجيد 




أهل التشكيل والرسم دائماً ما يحدثوننا أن الفن يُحس ولا يُشرح، خاصةً وأن تكون أمام لوحة سريالية طلسمية الألوان والخطوط ومتداخلة الأشكال والرموز، عندها عليك مغادرة محطة الاستغراب اللحظي والولوج بهدوء إلى عالم الاستغراق والتخيل والتحسس الذي حتماً سيقودك إلى آفاق التذوق وقمم المتعة، والأهم من ذلك الانطباعات التي ستتركها اللوحة في نفسك.
اللوحة الشهيرة والوحيدة التي تجسد مقتل الجنرال/ تشارلز جورج غوردون على عتبات القصر في 26 يناير 1885م هي عمل فني مكتمل بكل المقاييس والمعايير لكنه ينتمي إلى (مدرسة الكذب).. غوردون مرتدياً بذته الرسمية كاملةً ويقف بشموخ في قمة السلم وينظر إلى الثوار من علٍ وكأنه سينتهرهم بأن أوقفوا هذا العبث الذي تعبثون، هكذا صوّرت اللوحة (الفرية) لحظة مواجهة بطولية زائفة للموت، وتماسك مختلق لغوردون ساعة المصير.
الخرطوم ترزح تحت الحصار القاسي تقول يوميات (25 يناير) وهي الساعات الأخيرة قبل هجوم المهدي (مرجعية جمال الشريف): دخل البرديني بيه (مساعد للجنرال) إلى القصر ووجد غوردون يشعر بالضعف وإن موارده شارفت على الانتهاء ليس في الطعام فقط وإنما في الصحة والشجاعة والثقة وشاب رأسه نتيجة للإجهاد، وقال البرديني إن غوردون قال له صائحاً: ليس لدي أي شيء أقوله سوف لن يصدقني الناس بعد الآن، لقد أخبرتهم مراراً وتكراراً أن المساعدة ستأتي (حملة الإنقاذ) ولكنها لن تأتي أبداً، والآن لابد من رؤية أنني كذبت عليهم، اذهب واجمع ما تستطيع من الناس وحسِّن الوضع، أتركني الآن لأُدخن هذه السيجارة. وأضاف غوردون أيضاً: من الصعب إرسال كل القوات والمواطنين إلى الدفاعات لأنهم ضعفاء جداً ولا يستطيعون السير، لقد ترك معظم الجنود الجوعي حصونهم من أجل البحث عن الطعام واليأس يكسو جميع الوجوه. أمضى غوردون بقية يومه بالقصر يدخن أحياناً ويجلس في أعلى القصر أحياناً أخرى حتى غط في نومٍ عميق عند منتصف الليل نتيجة للإرهاق والتعب.
تعددت الروايات التي تحكي تفاصيل لحظة مقتل غوردون ولكنني استناداً على ما أوضحته الوقائع السابقة أميل إلى الرواية المنسوبة للدكتور جعفر ميرغني والتي تقول: إن غوردون اقتلع من غرفته وهو بملابس نومه (وجُرجِر) إلى أسفل الدرج وذبح عنده.. وأشير إلى لوحة أخرى تظهر مجموعة من الأنصار يحملون رأس غوردون في (خرقة) ويعرضونه أمام سلاطين باشا الأسير، ومن الواضح أنه لمزيد من التأكد أن من قتل هو غوردون.
حاولت الريشة التي صورت المشهد الكاذب لمقتل غوردون أن تخفي جرح الكرامة الغائر الذي أصاب الملكة فكتوريا - التي كانت الداعم الأقوى لفكرة إرسال غوردون إلى السودان - وأرادت هذه الريشة أن تخفف من آثار الصدمة والإنكسار الذي أصاب الرأي العام البريطاني بهذا الحدث المجلجل الذي كاد أن يطيح بحكومة رئيس الوزراء جلادستون التي نجت من سحب ثقة مجلس العموم ببضعة أصوات، كذلك عمدت هذه الريشة إلى تشويه تاريخنا الملئ بالبطولات والتضحيات في سبيل العزة والسيادة والاستقلال.
اليوم 26 يناير تمر مائة وثمانية عشر عاماً على تحرير الخرطوم وعلي هزيمة الامبراطورية العجوز بمقتل رمزها الدولي الباسل الجنرال غوردون على هذه الأرض،، وبعد إزالة تمثاله الشهير الذي كان منصوباً بميدان وزارة المالية الحالية، وتصفية كليته التذكارية لتأخذ اسم العاصمة المحررة (الخرطوم) لم يبق من ذكراه إلا لوحة كاذبة، وحجر تذكاري من الرخام يشير إلى موقع مقتله، وبيانو كلاسيكي يحتضنه متحف القصر الجمهوري،،
أعدت نشر هذه المادة تزامناً مع ذكرى السادس والعشرين من يناير 1885م ذكرى تحرير الخرطوم وسقوط أقوى رموز استعمار ذلك العصر الجنرال تشارلز جورج غوردون،،، وإلى الملتقى.
هذا البريد الإلكتروني محمي من المتطفلين و برامج التطفل، تحتاج إلى تفعيل جافا سكريبت لتتمكن من مشاهدته



.

Deli.cio.us    Digg    reddit    Facebook    StumbleUpon    Newsvine
الرأي
صورة
تبّاً للرواية

  يقول لي ناشر عزيز عندما أعرض عليه مشاريع كتبي المقبلة وأنا أتوهّم أنني أغريه بالعرض: "بَدْنا رواية"، وتخاطبني ناشرة مقدَّرة في مزاح لا...
اقرأ المزيد...
صورة
"فعلاً" لا تحليلاً

  لأول مرة منذ أن عرفته في صفحات الصحف وشاشات التلفاز، أتفق معه في شيء أدلى به، مازال هو الرجل الذي يثير الاستغراب بإجاباته العجيبة، قال...
اقرأ المزيد...
صورة
نصفهم، إلا قليلا

  قبل عامين، وفي اجتماع مشترك ضمها مع إحدى اللجان البرلمانية، تحدثت وزيرة الرعاية الاجتماعية آنذاك، أميرة الفاضل عن تحديات مهمة تواجه...
اقرأ المزيد...
صورة
عرس وهمي..!

  أصبحت ظاهرة العزوف عن الزواج عالمية وليست حصرية على بلادنا هذه والدول المجاورة. وكثيرون بدأوا في ابتكار حلول ربما تكون غير واقعية ولا...
اقرأ المزيد...
صورة
طاقيّة دا في راس دا

  لا يزال الحديث عن تمايز الأعراق محاطاً بالريبة وباعثاً على الاتهام إلى حد ترويع من تزيِّن له نفسه النظر في الموضوع سواءٌ من ...
اقرأ المزيد...
صورة
البحث عن محرم !

  في أحيان كثيرة، يحتاج المرء بأن يختلي بنفسه لأيام، يبتعد عن الروتين اليومي وتكرار الأشياء، يراجع نفسه ويشحن روحه بطاقة جديدة تساعده على...
اقرأ المزيد...
اعمدة الكتاب
صورة
(دستور دولة الدبة)
:: (العالم قرية)، ليس فقط بفضل ثورة الاتصال ووسائل التواصل، بل بفضل انتشار ثقافة حقوق الإنسان أيضاً.. وقديماً، كانت الأنظمة الحاكمة فقط هي...
اقرأ المزيد...
صورة
مكتبة لم تحترق وجامعة
الرئيس الفيلسوف الشاعر ليوبولد سيدار سنغور رئيس جمهورية السنغال السابق قال كلما أسمع بموت شيخ إفريقي أيقن بأن هناك مكتبة قد احترقت وهنا...
اقرأ المزيد...
صورة
رسائل هذا الاسبوع
في بريد أحمد عوض:انت فنان شاب صاحب خامة صوتية مميزة جداً، وصاحب اختيارات جميلة من الاغنيات، ما يعيبك فقط هو ابتعادك عن وسائل الاعلام، الى...
اقرأ المزيد...
صورة
كلام في السياحة ..!
السياحة استثمار فيه العديد من الفوائد وليس الغرض منها جلب الدولارات فقط، فالسياحة ترفع مستوى الخدمات ومستوى الأداء في القطاعين الحكومي...
اقرأ المزيد...
صورة
كرتنا في الهاوية
*للأسف الاتحاد العام لكرة القدم   في ظل قيادة معتصم ظل عاجزاً ومتفرجاً على ضياع المنتخب في الفترة الماضية بغياب الدعم والإهمال وهذه...
اقرأ المزيد...
صورة
( عندك زول بيساعدك؟)
:: كان من الأوئل الذين آمنوا بالله و رسوله الكريم بمكة..وكان من الأوائل الذين هاجروا إلى المدينة لنشر الدعوة والتمهيد لهجرة المصطفى عليه...
اقرأ المزيد...